نذير حمدان
275
حكمة القرآن والحضارة
حكمة بالغة « 1 » هي حكمة في ( حكم ) الماضي والحاضر والمستقبل . ففيها حكمة التاريخ ، وحكمة المعجزات والحقائق الكونية ، وحكمة الآخرة وما فيها من مشاهد المؤمنين والمكذبين بالاعتماد فيها على الحياة المعاصرة والواقع المعاش . فأمّا حكمة التاريخ فهي ( الأنباء ) المروعة الزاجرة التي ينبغي أن تبلغ بعبرها ودروسها القلوب فيرتدع المعاندون الذين ربما يتوقعون مصيرا كمصائر الأمم الغابرة . وهذه الحكمة إذ توضح أهمية التاريخ الفكري والسلوكي والحضاري للأجيال الحاضرة والمستقبلية فإن شواهده لأصدق بيانا وأروع إيقاعا . ويؤيد هذا العروض التاريخية السريعة التي ذكرتها آيات كثيرة جمع بعضها أقواما في مصائب مهولة مذهلة تعدّ إنذارات لمن كان الرسول يخاطبهم بقوله يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي ( هود 89 ) ، بيد أن الحكمة ( البالغة ) خصت صراحة بسورة ( القمر ) فيما بعد ، فهي وإن كانت من قصار السور المتوسطة فقد عرضت عددا من قصص الأنبياء ومعجزاتهم وأشكال مصائر أقوامهم في خطف سريع ومكرر معقبا على كل عرض بإثارة الذهن إلى التذكر والعبرة فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ باعتبار أن القرآن مصدرها ومواقع تذكارها وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ، فقد كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ . . ففتح اللّه عليهم أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وفجر الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ إنه لقاء ماء السماء بماء الأرض من أجل نفاذ أمره وتقديره بإيقاع الطوفان المدمر . وكذبت عاد فأرسل اللّه عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يوم الشؤم الذي كان يقلعهم ويصرعهم على رؤوسهم مثلما تقتلع أصول النخل كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ، فتنكفئ رأسا على عقب . و كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ وهي التحذيرات المنذرة التي يمكن أن تقع أمثالها لقريش وكفارها ، إنها ناقة النبي صالح ( فتنة لهم ) ولكنهم عقروها فأهلكهم اللّه
--> ( 1 ) ( القمر 5 ) وتتمتها ( فما تغن النذر ) وهي محور السورة كلها .